|
خالد عيسى ــــــ تعتبر القضية الكردية في سورية من أهم القضايا الوطنية العالقة التي تستوجب الاهتمام و البحث عن أسبابها التاريخية و الراهنة لتتضح هذه القضية بشكل أفضل، بغية إيجاد أفضل السبل لمعالجتها. و لا يترتب هذا الواجب على النخبة الكردية لوحدها، إنما على كل سوري غيور من خارج السلطة و من داخلها. و لكن مع الأسف حتى الآن لم تنل هذه القضية الاهتمام اللازم، و لا تزال تحتاج إلى دراسات جدّية.
فمن الواجب الوطني اهتمام الشخصيات و القوى الوطنية السورية بدراسة تاريخ وطنهم و تحليل واقعه، بغية طرح مقترحات من شئنها تأمين الأمن و الاستقرار و المساهمة في تطوير البلاد بما فيه خير للشعب. و تترتب على هذا الواجب مسؤوليات كبيرة، و تستدعي بذل جهود جدية بمدى خطورتها على الوحدة الوطنية حاضراً و مستقبلاً.
ومن الظواهر الايجابية، بعد عام 2004، اهتمام بعض المثقفين من غير الكرد بالقضية الكردية في سورية، و يحمدون على جهودهم في المساهمة في الحوار و البحث في قضية وطنية على درجة كبيرة من الأهمية.
و ضمن هذا الإطار، كتب مؤخراً صديقنا الأستاذ غسان المفلح مقالاً، بعنوان " سورية مأزق يعاد إنتاجه 4/ المسألة الكردية"، و يمكن العودة إليه على الرابط: http://www.gemyakurda.net/modules.php?name=News&file=article&sid=35234
و فيه ما نراه ضرورياً للتوضيح و المناقشة، فنستأذن الكاتب بإبداء بعض الملاحظات المقتضبة على ما كتبه.
1- العمق الكردستاني:
لقد جاء في مقال الأستاذ غسان المفلح " إن نظام الأسد الراحل قد اعترف بحقوق الأكراد في العراق وتركيا، ودعم كل الأحزاب الكوردية في كلا البلدين، فكانت تجربة حزب العمال الكوردستاني، الذي كان ظهيرا شعبيا للنظام في سورية، وهذا لا يعني تشكيكا بنوايا الحزب وأعضاءه وتجربته، ولكن تحالفاته و استراتيجيته السياسية تطلبت أن يكون النظام سندا له في معركته مع تركيا، وأن يكون هو سندا للنظام في الساحة الكوردية في سورية، ولهذا كانت يد الحزب مطلقة في التعبئة والتنظيم لمواطنين سوريين أكراد، ولازالت كل المؤشرات تشير على أن هذا الحزب بفرعه السوري المشكل حديثا، يحوز على أكبر شعبية بين الأحزاب الكوردية السورية، والمتواجدة تاريخيا في هذه الساحة. الحزب كان يتدخل لكبح أية معارضة للنظام داخل الأوساط الكوردية، والنظام يقدم للحزب كل الدعم اللوجستي. لدرجة أن الحزب كان يأخذ ضريبة لنضاله ضد تركيا من مواطنين أكراد سوريين"
- اضطرت فصائل الحركة القومية الكردية في العراق بالتحالف مع السلطات السورية، و خاصة بعد 1975، لضمانة استمرارية مقاومتها للسلطات العنصرية في بغداد، و في تلك الفترة و ما قبلها كانت أغلبية التنظيمات الكردية الناشطة في السورية ذي علاقات تحالفية متينة مع الحركة الكردية التي كانت تقود النضال في العراق.
و كانت السلطات السورية، قبل نهاية النصف الثاني من السبعينات من القرن الماضي، و بتغطية من كافة التيارات السياسية العربية، قد استطاعت تنفيذ أغلب و أهم المشاريع العنصرية في المناطق الكردية.
في نهاية السبعينات و بداية الثمانينات من القرن الماضي كانت هذه السلطات ، فضلاً عن ذلك، تواجه صراعاً سلطوياً دامياً مع المعارضة الاسلاموية، التي لم تعترف يوماً بالحقوق الكردية، و التي كانت تعتمد بشكل كبير على سلطات بغداد العنصرية ، فبالنتيجة تعزز التعاون بين سلطات دمشق و الحركة القومية الكردية في العراق، و حدث نوع من الانفراج بين نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد و التنظيمات الكردية في سورية، إذ كان للنظام أولويات أخرى، و خاصة بعد تنفيذ أغلب مشاريعه العنصرية في المناطق الكردية. و أصبحت الحركة الكردية في سورية ضعيفة، مثل كل التيارات السياسية في سورية، و أصبحت تطمح إلى مشاركتها في الجبهة " الوطنية التقدمية".
كان ذلك قبل السماح لحزب العمال الكردستاني لاستخدام الأراضي السورية و اللبنانية كملجئ و أرض عبور و تدريب.
عندما بدأت السلطات التركية بتقديم الدعم للاسلامويين، و تعمل على قطع مياه الفرات عن سورية، و تنسق مع إسرائيل لمحاربة النظام السوري، قَبل هذا الأخير بتواجد حزب العمال الكردستاني على أراضيه و في لبنان. و كان أكراد سورية الذين كانوا يوالون هذا الحزب هم الذين يقدمون له الدعم بالمال و العتاد و المقاتلين، كما كانوا في السابق يقدمونه للحركة القومية الكردية في العراق.
- يقول الأستاذ غسان المفلح "والنظام يقدم للحزب كل الدعم اللوجستي. لدرجة أن الحزب كان يأخذ ضريبة لنضاله ضد تركيا من مواطنين أكراد سوريين".
على حد معرفتنا المتواضعة في هذا المجال، لم يقدم النظام السوري للعمال الكردستاني لا المال و السلاح.
و الغريب في الأمر هو أن الأستاذ غسان المفلح يعتبر الدعم المالي الذي كان يقدمه أكراد سورية لنضال حزب العمال الكردستاني ضد السلطات التركية، كنوع من أنواع الدعم اللوجستي الذي كان يقدمه النظام لهذا الحزب.
فالأكراد كانوا و لا يزالوا يدفعون الضرائب إلى السلطات التي تتنكر لوجودهم و لحقوقهم، و لا غرابة في أن يدفعهم هذا الظلم و الإقصاء إلى التضامن القومي المشروع. فالكردي السوري إذا تبرع للحركة الكردية في تركية بجزء من ماله المتبقي بعد نهب السلطة، كيف يمكن أن نسميه دعماً من النظام للحركة الكردية في تركية.؟
- و عن مقولة أن "الحزب كان يتدخل لكبح أية معارضة للنظام داخل الأوساط الكوردية"، في الحقيقة كانت الحركة الكردية في سورية متأثرة بالعلاقات التحالفية بين النظام من جهة و الحركة الكردية في كل من العراق و تركية من جهة ثانية. و ثبت فيما بعد، و بالنتيجة، بأن هذا التحالف ساعد على قدرة الحركة الكردية في هاتين الدولتين من تحقيق مكاسب سياسية، و انعكست فيما بعد تأثيرات هذه المكاسب بشكل ما على التطورات اللاحقة في الحركة الكردية في سورية. و علاقة النظام السوري مع الحركة الوطنية الكردية في كل من تركيا و العراق لم تمنع من قبول رموز وطنية من مختلف التيارات في مجلس الشعب السوري عام1990.
و من الأدلة الأخرى على ذلك هو ما ذهب إليه كاتب المقال بأنه " ولازالت كل المؤشرات تشير على أن هذا الحزب بفرعه السوري المشكل حديثا، يحوز على أكبر شعبية بين الأحزاب الكوردية السورية، والمتواجدة تاريخيا في هذه الساحة" ، و يقصد في ذلك حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تأسس منذ ستة أعوام على الأرضية الشعبية لحزب العمال الكردستاني، و الذي يطالب بالاعتراف بوجود الشعب الكردي و حقوقه المشروعة في سورية، و تعتقل في سجونها السلطات السورية حوالي أربعمائة من أنصاره.
فلم تكن الحركة الوطنية الكردية في سورية بأحسن حال قبل تواجد حزب العمال الكردستاني في سورية. و قبل ميلاد هذا الحزب، و في ظل شروط الحرب الباردة، كان النظام قد استطاع تنفيذ أكثر المشاريع عنصرية بحق الشعب الكردي، و لم تتمكن الحركة الوطنية الكردية من منع أو وقف تنفيذها. و لم تقم أية قوة سياسية غير كردية بمعارضة تلك المشاريع. فعندما تم تجريد قسم كبير من أبناء الشعب الكردي من الجنسية السورية، لم يكن قد ولد حزب العمال الكردستاني، و عندما تم تنفيذ أهم مراحل الحزام العربي لم يكن قد ولد هذا الحزب بعد. و من كان يكبح النشاط القومي الكردي شعبياً هي التيارات السياسية العربية في سورية،بتسمياتها و تصنيفاتها المتعددة، القوموية منها و الأممية.
يتبع |